
حضرت السنة الماضية التظاهرة التي نظمتها إحدى النقابات بمناسبة عيد الشغل الذي يصادف فاتح ماي من كل سنة، وحينها كنت أعتقد كما يعتقد الكثيرون أن الحضور بكثافة في هذه التظاهرات يساهم في تعديل موازين القوة لصالح الأجراء والتأثير على سياسة الدولة في معالجة قضاياهم.
لكن هذه السنة لم أشارك في هذه الاحتفالات بعد أن تبين لي أن موازين القوة لا يمكن تعديلها باستعراض للعضلات في الشارع العام من خلال الحضور المكثف لبضع ساعات في تلك التظاهرات، وإنما بالنضال الصادق ووحدة الصف وجمع الكلمة على مواجهة كل أشكال الظلم والحيف الواقعة على الطبقة العاملة.
وذلك يحتاج إلى نقابات حقيقية تتمتع بالشخصية القوية واستقلالية كاملة في اتخاذ قراراتها وتدبير شؤونها الداخلية وبمنهج ديمقراطي حقيقي لا تتحكم فيه الأهواء والمصالح الضيقة لقادتها الذين يستغل الكثير منهم التفويض الممنوح لهم للدفاع عن مصالحهم الخاصة بدل الدفاع عن حقوق الأجراء.
طبعا النقابات في بلادنا ليست بالقوية ولا بالمستقلة، بل كلها تنخرها الانتهازية والوصولية وحب الرياسة، بل إن أكبر وأخطر آفة تعاني منها هذه النقابات هي تبعيتها العمياء للأحزاب السياسية، حيث لا تجد نقابة لا تتبع لحزب سياسي ترتبط به وترهن مصيرها بمصيره ولا تتحرك إلا وفق حساباته السياسية وليس متطلبات الدفاع عن الطبقة العاملة.
والأحزاب السياسية كما يعلم الجميع مشكلة من طبقة "النبلاء" أصحاب "الدم الأزرق" الذين يستحوذون على كل شيء في هذا البلد ويستغلونه لخدمة مصالحهم بما في ذلك الطبقة العاملة، وعندما يجتمع النقابي مع هذه المخلوقات تحت سقف واحد فإنه يصبح خادما لها وملزما بتنفيذ برامجها ومخططاتها وخدمة أجنداتها وأجندات المتحكمين فيها، فلا يمكن أن يكون في الآن نفسه خادما لها في ساحة العمل السياسي وخصما لها في ساحة العمل النقابي.
إن الأحزاب السياسية لا تخدم إلا النظام السياسي الحاكم في أي بلد لأن منتهى ما تطمح إليه هو أن تجد لها مقعدا تجلس عليه إلى جانب السلطة الحاكمة، وبالتالي فهي لا ترى إلا ما تراه هذه السلطة التي تريد أن تكون جارة لها في الحكم والتحكم فتبذل قصارى جهدها لتثبت لها أنها تدين لها بالولاء الكامل ولا تشكل أي خطر عليها، ويكون عليها أن تثبت ذلك من خلال جعل علاقتها بالشعب مختزلة في صناديق الاقتراع التي يُخيل إليه أنه يختار من خلالها من يحكمه، لكن كل ما يفعله هو أنه يشرعن التحكم فيه وفي مقدرات وطنه من طرف فئة النبلاء أصحاب الدم الأزرق.
والنقابات عندما كانت نقابات حقيقية، يعني قبل أن تتحول هي الأخرى إلى كائنات انتخابية تبحث هي الأخرى عن مقاعد إلى جانب أصحاب الدم الأزرق سواء في الهيئات المنتخبة أو في الحكومة، فقد كانت متحررة من كل ما يمكن أن يمنعها من أن تصرخ في وجه الطبقة الحاكمة دفاعا عن حقوق طبقات الشعب المختلفة، لكن وللأسف الشديد لم تبق في بلادنا وربما في بلدان العالم نقابات من هذا النوع، وبالتالي تم اختزال وظيفتها في شرعنة قرارات الحكام من خلال ما يسمى بالحوار الاجتماعي المسرحي، وإحياء ذكرى فاتح ماي التي يسمونها زورا وبهتانا بعيد العمال، عيد لا يفرح فيه أصحابه بل يقضونه في النحيب والبكاء والنواح على حقوق ضاعت جملة وتفصيلا من طرف هؤلاء النقابيين الذي للأسف الشديد يعتلون المنصات في ذلك اليوم لينفثوا أكاذيبهم التي يحاول العمال تصديقها رغم علمهم اليقين أنها من وحي مسيلمة الكذاب ليس إلا.
0 تعليقات